النهايات المُحبطة وفراغات النَّص || أمبرتو إيكو


لم أحظَ بالوصلِ حتى بتُّ مرتقبًا … يومَ الفراق فلم يُكْتَبْ لموعودِ
كيف انتهاءُ رواياتٍ مُطَوَّلةٍ … إن كان آخر فَصْلٍ غيرُ موجودِ؟

خالد الحمدان.

لا شيء يستفزني استفزاز الشِّعر، غلبني الملل فقلّبت ملاحظات هاتفي الفائضة بالشعر وقراءته، فاستفزني هذا البيت بعذوبته والشعور الذي يُحدثه، كالذي يحدثه شِعرُ كثيِّر عزة من ألم الإحباطات والصدود والإعراض، وتفكّرت في الفصل الأخير من الرواية، إذ به يقابله لحظة الفراق وغداة البَــيْن، تلك النهايات المُحبطة، حين ينتظر الإنسان أن يُملأ فراغه فيتسع رِقاعه.

وقد ذكرني شعور الفراغ بالبيت، بتأويلية إيكو التي أراها المُنصفة من بين النقاد المُحدَثــيـن، والمقصود بالتأويل طريقة تناول النص وتفسيره، فإيكو يرى النص فجوات بيضاء، وينتظر من القارئ أن يملأها بما يراه، فلا يمكن للكاتب أن يجعل نصه كاملًا. 

  أمبرتو إيكو فيلسوف وناقد، وروائي إيطالي، وهو أحد أعلام المنهج السيميائي، الذي يهتم بالعلامات، تميّز إيكو بتأويلاته للغة والنص، ونقده للتفكيكية،  فحين كان هناك “صراع التأويلات” ونادت التفكيكية بلانهائية المعنى للنص، جاء إيكو في مشروعه يحاول الحد من التأويلات ويضع لها الحدود التي لا تغلق النص، والنص يقصد به كُل ما يقرأ، فقراءة الرواية تُقابلها القراءة السينمائية للأحداث وتداخلاته، باعتبار أن الفيلم تطبيق عملي للرواية المطبوعة. 

النص عند أمبرتو إيكو:

يرى إيكو أن النص ليس مجرد كلمات مطبوعة تحمل المعنى كاملاً بشكل مباشر، بل هو نسيج معقد مليء بالفراغات (فضاءات بيضاء) التي يتركها المؤلف عمداً ليملأها القارئ بتأويله وفهمه. فالنص إذن يحتاج القارئ كي يكتمل، وهو ليس أداة جاهزة للشرح فقط، بل ساحة تفاعل بين استراتيجية المؤلف وتوقعات القارئ.

ملخص مفهوم النَّص من كُتب إيكو:

  • من كتاب القارئ في حكاية:

يذكر إيكو مفهوم النص في كتابه “القارئ في حكاية” : « إن النص يتميز عن سواه من نماذج التعبير بتعقيده الشديد بما لا يُقاس. أما علّة التعقيد الأساسية، فتكمن في كونه نسيج لا يُقال ما هو، 

ما لا يقال يعني الذي ليس ظاهراً في السطح، على صعيد التعبير على أَنَّ ما لا يقال، وهذا ينبغي أَنْ يُفَعَّل على مستوى تفعيل المضمون. إذاً فالنص ما هو إلا« نسيج فضاءات بيضاء، وفرجات ينبغي ملؤها» ، ومَنْ يبثه يتكهن بأنها “فرجات” سوف تُملأ، فيتركها بيضاء لسببين:

الأول: أنَّ النص يمثل آلية كسولة (أو مقتصدة) تحيا من قيمة المعنى الزائدة التي يكون المتلقي قد أدخلها (إلى النص)؛ والحق أن النص لا يُوسم باللغو ولا يكتسب تعيينات، لاحقة إلا في حال بلوغه ذروة الحذلقة، وذروة الاهتمام التعليمي، أو في حال من الكبت قصوى – إلى الحد الذي تنتهك فيه القواعد الحادثية المألوفة، ومن ثم لأن النص بقدر ما يمضي من وظيفته التعليمية إلى وظيفته الجمالية، فإنه يترك للقارئ المبادرة التأويلية، حتى لو غلبت فيه الرغبة بعامة، في أن يكون النص مؤولاً وفق هامش من الأحادية كافٍ. إنَّ نصاً غالباً ما يتطلب إعانة أحدهم لكي يتحقق عمله. ثم إن النَصَّ يصادر على تعاضد القارىء باعتباره شرطاً للتفعيل.

 ويسعنا أن نخلص إلى هذا التعيين بكلام أدق : النص ما هو إلا نتاج يرتبط مصيره التأويلي أو التعبيري بآلية تكوينه ارتباطاً لازماً؛ فأن يُــكوِّن المرء نصاً يعني أن يضع حيّز الفعل استراتيجية ناجزة تأخذ اعتبارها توقعات حركة الآخر شأن كل استراتيجية، وعليه فإن الاحترابي إذ يُكوِّن حيال استراتيجيته الحربية، أو حيال استراتيجية الشطرنج، أو لنقل حيال كل استراتيجية لعب فإنه غالباً ما ينصرف إلى رسم صورة خصم نموذجي.

  • كتابه “التأويل بين السيميائيات والتفكيكية”

« قد انصب السجال القديم على الكشف في نص ما، إما على ما يود الكاتب قوله وإما على ما يود النص قوله في استقلال عن نوايا الكاتب، إن الطرف الثاني داخل المعادلة هو الذي يدفعنا إلى التساؤل عما إذا كان ما سيتم الكشف عنه يتطابق مع ما يقوله النص استنادا إلى وجود انسجام نصي، ووجود نسق دلالي أصلي أو يعود إلى نسق الانتظار الخاص بالقارئ » وقصدية النص ليست معطاة بشكل مباشر، وحتى إذا حدث وكانت كذلك، فستكون شبيهة في هذا بــ« الرسالة المسروقة». فرؤيتها محكومة بإرادة الرائي، وهكذا إذا كان بالإمكان الحديث عن قصدية النص، فإن ذلك مرتبط بتخمينات القارئ. إن مبادرة القارئ تعود أساسًا إلى قدرته على تقديم تخمين يخص النص، «إن النص جهاز يراد منه إنتاج قارئ نموذجي» إن القارئ المحسوس هو مجرد ممثل يقوم بتخمينات تخص نوعية القارئ النموذجي الذي يفترضه النص، فإذا كانت قصدية النص تكمن أساسا في إنتاج قارئ نموذجي قادر على الإتيان بتخمينات تخص هذا القارئ، فإن مبادرة هذا القارئ تكمن في تصور كاتب نموذجي – لا يشبه في شيء الكاتب المحسوس بل يتطابق مع استراتيجية النص وبناء عليه، فإن النص ليس مجرد أداة تستعمل للتصديق على تأويل ما، بل هو موضوع يقوم التأويل ببنائه ضمن حركة دائرية تقود إلى التصديق على هذا التأويل من خلال ما تتم صياغته باعتباره نتيجة لهذه الحركة، ولا أشعر بأي خجل في القول بأن ما أحدده هنا يعود إلى الدائرة القديمة والصالحة دائمًا: “الدائرة الهرمنوطيقية” إن التعرف على قصدية النص هو التعرف على استراتيجية سيميائية، وقد يتم التعرف على الاستراتيجية السيميائية أحيانا انطلاقا من أسس أسلوبية متداولة، فبمجرد ما نستمع إلى قصة تبدأ بــ “كان يا مكان” فإننا سندرك أن الأمر يتعلق بحكاية خرافية قارؤها النموذجي سيكون طفلا (أو) رجلاً يرغب في تقمص ردود أفعال صبيانية. قد يتعلق الأمر بطبيعة الحال، بحالة من حالات السخرية، وسيقرأ النص بعد ذلك قراءة عالمة، وفي هذه الحالة كان علي أن أعترف بأن النص يوهمني بأنه يبدأ بداية خرافية.


التعليقات

أضف تعليق