
أحب الأدب وأحب أني طالبته، ذاك أسمى ما نُعتُّ بهِ، أحب النصوص ومنظر الكلمات واتصال الأحرف بكل اللغات، ذاك الذي يذكرني دائمًا بقول البردُّوني:
لأن الفراغ اشتهى الامتلاء
بشيء فجاء سوى المرتقب
ثم إن أمر النص هذا شيءٌ عجيب، ترتب الكلام تهذبه ليُقرأ كما أردتْ، فتتفاجئ به, يفهمه كلٌّ بفهمه، يقرأه كلٌّ بقرائته، وحبي للغات يجعلني أراها في كل شيء، فإني أنمو بحب اللغات، هي دافع التأمل، أراها في نسيم الربيع، وقطرات المطر، ولهيب الشمس، وعجاج الريح، ورسوخ الجبال، والسؤال هل النصوص وحدها التي تُقرأ؟
بعد محاولات للتعلم على معرفة نوتات العطور رأيت أن العطور “قراءة” أو لعلها عذبُ الشعر، فلا هجاء فيه ولا ذم إلا ما كان من محاكيه.
فالعطّار حين يُرتب الطبقات المتفرقة والمختلفة حتى تَشتبك وتلتف التفاف الأغصان، أشبه بشاعر يلم أحرفًا وكلمات تطرب لها، مِصداق ذلك من يعجز عن وصف طيب الرائحة فيصفها بـ”رائحة شاعرية”.
فالعطور تُقرأ، كما يقرأ نَوحُ الحمام وأنين الناقة، ورسوخ الجبال وأصل النخل، وارتجاف الموج، وعوي العواصف في الفراغ كعوي الذئاب في القفار، كلاهما يبحث عما يملأ فراغه فيَسْكن، لأن الأصوات كذلك تقرأ كما تُقرأ الصور واللوحات، وكما يقرأ سلوك الإنسان.
ذكرني ذلك بأول قراءتي لـ د.علي حرب، في كتابه “نقد الحقيقة”، بدأه بمقدمته “قراءة ما لم يُقرأ”، استفزني العنوان وبدأت تنكب الأسئلة وتكثر التشبيهات: ما الذي لم يُقرأ؟
تراءت لي صور الكون كاملةً، من المجرة: لوحة النجوم ودوران الكواكب وضوء القمر، ونور الشمس، وثقل الغيوم وتفرقها، والأرض والجبال والبحار، والبركان، وعطف بعض الحيوان ووحشية الآخر، كل ذلك يُقرأ.
قد كانت قراءة مقالة علي حرب، تكليف لنا، ولطالما ما أحببت تلك التكاليف التي تصير مفاتيح، تأمل علي حرب “النص”، ويرى فيه أن القارئ الحق حين يقرأ إنما يعيد إنتاج المقروء بمعنى من المعاني، وعلى صورة من الصور، فالقراءة نشاط فكري مولِّد للتباين، مُنتج للاختلاف، فلا تخلو القراءة من تشبيه، سواء أكانت شرحًا أم تحليلًا أم تفسيرًا هو يقرأ لنفسه، فيولّد المعنى ويشغل مخياله ويفهم فهمه، وأهم ما قاله: «والقراءة التي تزعم أنها ترمي إلى قراءة نفس ما قرأه مؤلف النص بحرفيته، لا مبرر لها أصلًا»
«ليست القرءاة، إذن مجرد صدى للنص، إنها احتمال من بين احتمالاته الكثيرة، والمختلفة. وليس القارئ في قراءته كالمرآة لا دور له، إلا أن يعكس الصور والمفاهيم والمعاني، التي رمى صاحب النص إلى قولها، والتعبير عنها، بحرفيّتها وتمامها. فالأحرى القول: إن النص يتمرأى فيه قارئه على صورة من الصور، ويتعرف من خلاله على نفسه بمعنى من المعاني، والنص يقوى بطبيعته، على ذلك»
كل ذلك مدعاة لأمرٍ واحد:
تَــأمَّــلْ

أضف تعليق