
لابن الرقاع مكانةٌ في نفسي وإن لم يشتهر شعره -مقارنة بمعاصريه-، ورغم نعته بـ”مداح الخليفة” وغلوه بالمدح للوليد بن عبد الملك، إلا أنه لا تكاد تخلو قصيدة له قالها من ذكر العلو، والطموح والكدْ لنيل المراتب، حتى يستحق من يستحقها، كما أنه يكثر من ذكر الجِبال والرواسي والتشبيه بها، وهو ما يتماشى مع العلو والرفعة، وهذا أعظم ما يقع في نفسي، وما الشعر إن لم يقع في النفس؟ وما البلاغة إن لم يصل المعنى إلى القلب في أحسن صورةٍ من اللفظ؟، وابن الرقاع كأن شعره يصف حال المتنبي:
أريدُ من زمني ذا أن يبلغني ما ليس يبلغهُ من نفسهِ الزمنُ
يعد ابن الرقاع فاتح النقد والشعر لي، فمعرفتي له مرتبطة بأول قصيدة حللتها، وهي قصيدته “طار الكرى وألمَّ الهم فاكتنعا” وهي مدح للوليد بن عبد الملك، كان ذلك في بداية الدراسة، وكانت تكليفًا لمادة الأدب الأموي، تلك المادة التي علمتنا فيها د.مريم القحطاني الشعر حق العلم، فحينها تعلَّمت الشعر من أهله ما كنت أعرفه قبل ذلك، المهم ما جعلني أختار ابن الرقاع هو رغبة الأستاذة بتنوع الشعراء بين الطالبات في التكليف، وأذكر أنها استثنت النقائض لطولها، ثم إني بتلك القصيدة افتتحتُ باب الشعر وتذوقته بنفسي، قرأته كما لم أقرأه من قبل، فالأستاذة جعلت المجال مفتوحًا ولنا الحرية بالقراءة والنقد، فما كنت أعرف المناهج ولا القراءات، قلَّبت الدواوين وقرأت أسماء الشعراء الأمويين، أعرفهم، أريد من لا أعرفه، فوقعت عيني على عدي بن الرقاع، من؟ فلا أعرف عنه إلا بيته الشهير الذي حسده جرير-وقيل: كثيّر- عليه:
تزجي أغنٌّ كأن إبرة روقهِ … قلمٌ أصاب من الدواة مدادها
وقوله:
نظر المثقف في كعوب قناته حتى يقيم ثقافه ميادها
قلَّبتُ الديوان أبحث عن قصيدة له مناسبة، ليست بالطويلة لألمَّ بها، فوقعت عيني على قصيدته التي مطلعها:
طار الكرى وألمَّ الهم فاكتنعا .. وحيل بيني وبين النوم فامتنعا
كان الشباب قناعًا أستكن به … وأستظل زمانًا ثمت انقشعا
فاستبدل الرأس شيبًا بعد داجيةٍ … فينانة ما ترى في صُدغها نزعا
قد كان البيت الثاني استفزني أكثر من الأول، فتشبيه الشباب بالانقشاع وكأنه جلد ميت، أو كأنها قشر فاكهة، أو فتلتة وردة، أو غلاف كتاب بالٍ سينقشع لا محالة، تشبيه الأيام بهذه السرعة عجيب، ثم لِـمَ إعلان الهمِّ والأرق لاستهلال المدح ؟ فلما أكملتها ذكر صاحبته، وكعادة العرب يفخّمون القصيدة ويسطرونها بذكر المرأة، وتكاد لا تخلو لشاعر قصيدة مدح دون ذكرٍ لها، فذلك أوقع في نفس السامع، فقال بعدها:
فقد أبيتُ أراعي الخَود راقِدةً … على الوسائد مسرورًا بها وَلِعا
برَّاقة الثغر تشفي القلب لذَّتُها … إذا مقبَّلُها في ريقها كَرَعا
كالأقحوان بضاحي الروض صبَّحهُ … غيثٌ أرشَّ بتنضاحٍ وما نَقَعا
تصوير بديع رقيق، ربيعيِّ مُشرق مغيث، يقابل ما استهله من الهم والأرق والظلمة والانقشاع، وأذكر أن البيت الذي حملني على اختيار هذه القصيدة قوله بعدها:
لا يبرحُ المرء يستقري مضاجعه … حتى يقيم بأعلاهنَّ مُـضـطجعَا
ويستقري: أي يطلب القِرى وهو طعام الضيف، ومعنى البيت أن المرء الهمَّام لا يبرح له مكان حتى يطلب آخر أفضل منه، بل ويصل لأعلى مضطجع، وذكره لصور الاستكثار ورد في غير المراتب، كالشراب فقال:
كشارب الخمر لا تُشفى لذاذته … لو يطالع حتى يُكْـثِر العلَلَا
ولا ينفك الإحباط والأسى أن يُصيب المرء الهمَّام النهم، فدعاه ذلك أن يذكّر نفسه بحال الدنيا:
فكم ترى من قوي فك قوَّته … طول الزمان وسيفًا صارمًا نَحلا
إنَّ ابن آدم يرجو ما وراء غدٍ … ودون ذلك غيلٌ يعتقي الأملا
لن أنسى أني لمَّا سلمتها ورقة تحليل القصيدة نسيت أن اكتب اسمي، فاتصلت عليَّ وقالت: “عرفتُ أنها أنتِ”، وكما أني أُدين لابن الرقاع فتحه باب الشعرلي فأنا لأستاذتي أدين، د.مريم القحطاني التي أخذت بيدي بعدما علّمتني الشعر وأدخلتني للعمل معها في الموسوعة، ذلك العمل الذي فتح لي بعدها أبوابًا ما كانت لتفتح.
فلذلك لابن الرقاع مكانته في نفسي، فأنا كما قُلت: «في كل عام أفكر من الشاعر الذي قدّمته في نفسي؟ أجد أن الترتيب كما هو لم يسبق شاعر آخر، ولم يتربَّع أحد على قمته التي وضعتها، فأفضِّل رقة جرير وفخر الفرزدق، وعزة امرئ القيس، وأنفة المتنبي، ودوران أبي تمام، وعذوبة الأحنف، ورثاء مالك، وبكائية الخنساء، و”دراما” ابن أبي ربيعة» وأضيف: مدح ابن الرقاع، لكن لا أدري من سيتربع.
حكّم الشعر كما شئت، تذوقه، قدِّم من تشاء وأخِّر من تشاء، اجعل للشعر مكانة في نفسك، وعظّم أمره بما منَّ الله عليك أن جعلك عربيًّا، وفي تحكيمك لا يعني أن تضرب عرض الحائط كلام السلف وأهل الذائقة، ولا تتعصب لرأي دون آخر، ولا تخذلك قوانين النقّاد وتذوقهم ألّا تصل للتحكيم، فالشعر كالطعام ولكل إنسان ذائقته، وميله، وما يقع في قلبه وما يصادف فراغًا فيتمكّن.

أضف تعليق