
يستعصي على الإنسان في تخبطاته أن يفهم مشاعره ويبينها، فلو عرفها لهان الأمر -ولو ساءت- فإن كان خوف تطَّمن، وإن كان قلق سكَّن، وإن حَزِن التمس فرحًا، أما إن حل ما لم يتوقعه فالأمر أصعب وأثقل، ولولا أجرنا على الصبر لهلكنا، ولذلك فإن الصبر ضياء؛ أي معه حرارة كالشمس ففي التنزيل: (هو الذي جعل الشمس ضياءً)، والسؤال حين التخبُّط:
متى كان القلب ميدانًا وللمشاعر المعركة تتصارع فيما بينها؟ حتى إذا الليل حلَّ حمي الوطيس وتهالك القلب لا يدري من يقوده، وهل لشيء عليه سلطان ؟ ليته كان !
هل القلب ميدان ؟ أم أنه رحى يطحن النفس وتتسابق المشاعر في مبارزتها لتكن إحدى الحجرين؟ فتظل تدور بلا حب ولا شيء لا لشيء، نعم، كذلك هي المشاعر، في أمر ما تغلب المخاوف الرغبات، ويظل الرجاء مكبوتًا مسحوقًا، أمور أخرى تغلبها الرغبة وتعميها حتى إذا استلذت بما رغبت صار وبالًا عليها ومغصًا وقلقًا، فحينها لا تنفع نفس فلتتها، وكأن لم تلتذ بالأمس، ولو أنها أخذت بلجام نفسها وعضت عليها بالنواجذ لكان لها الفوز والسبق، لكنه ابن آدم ضعيف ولو استقوى!
أما الحيرة وما الحيرة فهي تمر على الإنسان كصخرة تدحرج بين الجبال لا تدري أين تهوي، وإن سقطت فهي عثرة لغيرها، ولن تستريح كما استراحت في قمة الجبل، إن كل تلك التخبطات لا تكون إلا بالليل، أما النهار فيُشغل أهله كما يقول مريد البرغوثي، نعم فالليل يطول على الحزين ويقصر على الفَرِح، فطال على النابغة حتى تباطأت الكواكب فقال:
كليني لِهَــمٍّ يا أُميمةَ ناصِبِ … وليلٍ أُقاسيِهِ بطيء الكواكبِ
تطاول حتى قلت ليس بمنقضٍ .. وليس الذي يرعى النجوم بآيبِ
خلاف ابن أبي ربيعة الذي تقاصر ليله حين لهى مع نُـعْمٍ، فقال:
فيا ليك من ليلٍ تقاصَرَ طولُهُ … وما كانَ ليلي قبل ذلك يَقْصُرُ
فشتَّان بين الليلين ! ثم إني كلما حاولت تَصبُّرًا نهرني أبو فراس بقوله:
أوصيك بالحزن لا أوصيك بالجَلَدِ … جَلَّ المُصابُ عن التَّعنيفِ والفَنَدِ
ولم يسلم أبو فراس من تخبُّطات الحزن فلا يدري أيحزن أم يصبر حتى قال فيما بعدها:
بي مثل ما بِكَ من حُزْنٍ ومَنْ جَزَعٍ … وَقَدْ لَجَأتُ إلى صَبْرٍ فَلَمْ أَجِدِ
ثم قال:
أبكي بدمعٍ له من حسرتي مَدَدٌ … وأستريحُ إلى صَبْرٍ بِلا مَدَد
فكما أوصى أبو فراس بالحزن، فأنا أوصيك كذلك به إن حل بك، لا تتجلد متكابتًا حزنك فتثقل عليك مشاعرك وتأكلك أكل السبُع، لا ترقب فيك إلًّا ولا ذمة حتى يصير حُزنك سخطًا، وعمومًا فما يهوَّن تلك التخبطات محاربتها بالإنشغال والسعي: حاول أن تجبر كسرك، وتخفف حزنك، اسع له كما تسعى لسد جوعك بالأكل، ولذهاب ظمأك بالماء، حتى أنت مع نفسك “لا تكن مع القاعدين”.
ولم ينفك عجبي من ابن الأحنف، حتى في تخبّطاته عَذبٌ رقيق، فقال متغزلًا:
أبكي إذا سَخِطَتْ حتى إذا رضيتْ … بكيتُ عند الرضا من خشية الغضبِ
أتوبُ من سُخطها خوفًا إذا سَخِطت … فإن سَخِطتُ تمادتْ ثمَّ لم تَتُبِ
فالحُزنُ إن سخِطَتْ والخوفُ إن رَضيت … أن لا يتم الرضا فالخوفُ في تعبِ

أضف تعليق