“زعموا أن دمع الحزن حار ودمع السرور بارد”
صدقوا بزعمهم، فكيف للحزن أن يكون باردًا ؟ إلا أن يكون زمهريرًا قاتلًا، ولأثر البيئة العربية الجافة في نفوس العرب، يجعلها تستبشر دائمًا بالسقيا وتبحث عن البرد والرواء، لما يعانوه من الجفاف والقحط ويسعون لطلب الكلأ، بخلاف ما نجده في الأدب الأوربي والروسي فهم يرددون الدفء والشمس، والنار يريدون منها الدفء والانتفاع، فتلك هي بيئتهم.
وتغلب التشبيهات عند العرب بالمعاني التي تدل على الارتواء كالسقيا والبرد، وذهاب الظمأ، والنَبت، وهذا ناتج من بيئتهم، وقلما يذكر الدفء، وغالبًا ما تذكر الحرارة والحرقة في ذكر الهمِّ والشوق والوجد، والسقيا والبرد تدور في سياقات عدة هيّجتها الذكرى، كالدعاء للميت، وللطلل، وللأيام فنقول: سقى الله تلك الأيام، وللصاحبة نصيب من الدعاء بالسقيا، أما عنترة فمن شجاعته وإقدامه يرى أن المنية مَنهل يُسقى منه:
فأجبتها إن المنية منهلٌ … لابد أن أسقى بذاك المنهلِ
وهذا من براعة الشاعر وفروسيته وإقدامه، لم يجعل المنية كأنياب أو كأظفار، أو سهام، بل جعلها منهل، وكأنه يستعذب عذوبة المنية، ويراها سهلة وعَذبة، وهذا يذكرني بقول الشاعر النبطي، يمدح جنود المملكة العربية السعودية:
ونشرب من الدم الحَمَر … كَنَّه فناجيل الدلال
وقال النابغة الذبياني في ذكر نُعمٍ:
أنبئت نُعمًا على الهجران عاتبةً…سقيا ورعيا لذاك العاتب الزاري
وغالب موضوع السقيا يكون في الدعاء للميت، فجفاف الأرض -ومنها القبور- والنهاية والفناء الحتمي يجعل النفس تحاول تجاوز هذا بشتى الطرق والمعاني مواسيةً أو مكذّبة، وربما تكرر اللفظ خلافاً لما تشتهيه النفس، وهذا الحسين بن مطير الأسدي يذكر أخاه معن:
ألِـمَّا على مَعَنٍ وقولا لقبرِهِ … سقتكَ الغوادي مَربعًا ثمَّ مَربعَا
فيا قَبْر مَعْنٍ كنت أول حُفرةٍ … من الأرض خُطَّت للسَّماحةِ مَضْجعا
ويا قبر مَعْنٍ كيف واريتَ جُودَهُ … وقد كان منهُ البرُّ والبَحْرُ مَرتعا
وترددت فكرة سقيا القبور عند الصوفيين فتشيع عندهم خرافات أن قبره ينبت فوقه وفاحت منه رائحة المسك، وقد رُؤي أحدهم يأتي ليلاً ويرش عليه المسك فيوهم العوام أن ذلك من صلاحه وتقواه، ويرى شه ونم كردو يونس في كتابه ” الدعاء في العصر العباسي” أن الدعاء للسقيا تعني إعادة الحياة له، ولتدب فيه الحركة بدلًا من السكون.
“يعد القبر المكان الأخير أو الغربة الأزلية للإنسان على الأرض، فعندما يتذكر الإنسان الموت يهتز نفسه لوقعه، فيجد في الدعاء ملاذاً وأماناً منه”


اترك رداً على Lama alamr إلغاء الرد