
غُــرَّة مُحرم 1448هــ | اللهم عام خير وبركة على المسلمين.. .
هل تعلم أن العرب كانت تُبدّل الأشهر كما شاءت؟ وكانوا يجعلون المحرم صفر، أو يجعلون أول شهرين من السنة صفر، ثم يعوّض في السنة القادمة فتكون أول شهرين منها محرم.
كل ذلك لأنهم أصحاب حرب وغارات وكانت تعد الغنائم أحد ثرواتهم، لأنه في الأشهر الحُرم يحرم القتال حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه ما قتله. وهم يعلمون أنهم بفعلهم هذا يغيرون أحكام الله -سبحانه- ويتجرأون عليها.
وهذا الفعل هو النسيء الذي ذمّه الله -تعالى- في سورة التوبة: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يُضَل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ والنسيء في اللغة هو الزيادة، ومعنى الآية: «إنما الشهر المؤخَّر زيادة في الكفر»
وكانوا يفخرون بفعلتهم هذه، حتى قال الشاعر الكناني عمير بن قيس المعروف بجذل الطعان:
لقد علمت معدَّ بأن قومي … كرامُ الناس إن لهم كراما
ألسنا الناسـئين على مَعَدٍّ … شهور الحِلِّ نجعلها حَرَاما
فأيُّ الناس لم ندرك بوَتْر … وأي الناس لم نَعْلِك لِجاما
لكن الزمان قد عاد كما خلقه الله تعالى فقال النبي ﷺ في حجة الوداع: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشرا شهرًا، منها أربعة حُرُمْ، ثلاثٌ متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجبُ مُضَر الذي بَيْن جُمادى وشعبان»
- معنى الآية:
النسيء مصدر من قول القائل: نَسأتُ في أيامك، ونسأ الله في أجلك، أي: زاد الله في أيام عمرك ومدة حياتك، حتى تبقى فيها حيًّا. وكل زيادة حدثت في شيء، فالشيء الحادث فيه تلك الزيادة بسبب ما حدث فيه يقال له “نسيء” . ولذلك قيل للبن إذا كُثِّر بالماء: نسيء”
ومعنى (ليُـوَاطِـئُوا) فإنه من قول القائل: واطأتُ فلانا على كذا أواطئه مُواطأة، إذا وافقته عليه، معينًا له, غير مخالف عليه.
روى ابن كثير عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله ﷺ بالعقبة فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: «وإنما النسيء من الشيطان زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما»
وكانوا أيضًا يحرّمون العمرة في أشهر الحج المحرمة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، من أجل ذلك شُرِع التمتع والإقران بالحج؛ مخالفة لفعل الجاهلية، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: كانوا يرون أن العُمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون إذا برأ الدبر وعفى الأثر وانسلخ صفر حلّت العُمرة لمن اعتمر.
وكانت عائشة -رضي الله عنها- حين قضت حجتها أحرمت للعمرة؛ وقد أمرها النبي ﷺ بذلك ليقطع أمر الجاهلية بتحريم العمرة في أشهر الحج.

- معنى الحديث «إن الزمان قد استدار …» :
قال إياس بن معاوية: كان المشركون يحسبون السنة اثني عشر شهرا وخمسة عشر يومًا، فكان الحج يكون في رمضان وفي ذي القعدة، وفي كل شهر من السنة بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يوما فحج أبو بكر سنة تسع في ذي القعدة بحكم الاستدارة، ولم يحج النبي ﷺ، فلما كان في العام المقبل وافق الحج ذا الحجة في العشر، ووافق ذلك الأهلة، وهذا القول أشبه بقول النبي ﷺ: «إن الزمان قد استدار . . .» أي زمان الحج عاد إلى وقته الأصلي الذي عينه الله يوم خلق السماوات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه. ثم قال : «السنة اثنا عشر شهرا» ينفي بذلك الزيادة التي زادوها في السنة – وهي الخمسة عشر يوما – بتحكمهم، فتعين الوقت الأصلي وبطل التحكم الجهلي.
وقال مجاهد: كان المشركون يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور كلها حتى وافقت حجة أبي بكر التي حجها قبل حجة الوداع ذا القعدة من السنة التاسعة.
- قصة النسيء:
تعدد الأقوال في قصة مبدأ النسيء، لكن أقوال المفسرين والمؤرخين تذهب إلى رجل من كنانة يقال له أبو ثمامة القَـلَـمَّس، ويقال أنه آخر من نسأ، ويذهب القرطبي إلى أنهم وضعوا النسيء للغنائم؛ إذ كانت أحد مصادر الدخل، وكانوا يعلنون النسيء في موسم الحج أيام منى، يقوم القلمّس ويقول: أنا الذي لا يرد لي قضاء، هذا المحرم نجعله صفر، هما العام صفران، وإذا كان العام المقبل قال: هما محرمان. وكانت هوازن وغطفان وبنو سليم يعظمونه يفعلون ذلك في الجاهلية.
قال القرطبي: «سبب ذلك أن العرب كانت أصحاب حروب وغارات فكان يشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغيرون فيها ، وقالوا : لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها شيئا لنهلكن» مع أنهم بفعلهم هذا كانوا موقنين بجرأتهم على حكم الله سبحانه، وكانوا يرون أن الذي فعل هذه الفعلة جريء وكان يفخر بجرأته:
ألسنا الناسـئين على مَعَدٍّ … شهور الحِلِّ نجعلها حَرَاما
وروى ابن إسحاق: « كان أول من نسأ الشهور على العرب فأحل منها ما حرم الله وحرم منها ما أحل الله القلمس وهو حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان: ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد ثم ابنه أمية بن قلع ثم ابنه عوف بن أمية ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإسلام فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فقام فيهم خطيبا فحرم رجبا وذا القعدة وذا الحجة ويحل المحرم عاما ويجعل مكانه صفر ويحرمه ليواطئ عدة ما حرم الله فيحل ما حرم الله يعني ويحرم ما أحل الله . والله أعلم»

- إعلان النسيء:
ذكر القرطبي أنهم كانوا إذا صدروا عن منى يقوم من بني كِنانة، ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له القَـلَمس، فيقول أنا الذي لا يرد لي قضاء، فيقولون: أنْسِئْـنا شهرًا، أي أَخّر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر، فيحل لهم المحرم. فكانوا كذلك شهرا فشهرا حتى استدار التحريم على السنة كلها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله فيه.
وذكر الطبري أن هذا رجل من بني كنانة يقال له: القَلَمَّس كان في الجاهلية، وكان يقول: اخرجوا بنا اخرجوا له: هذا المحرَّم! فقال: ننسئه العام، هما العام صفران، فإذا كان عام قابلٍ قضينا، فجعلناهما محرَّمَين. قال: ففعل ذلك. فلما كان عام قابل قال: لا تغزوا في صفر، حرِّموه مع المحرم، هما محرَّمان، المحرَّم أنسأناه عامًا أوَّلُ ونقضيه.
وفي رواية أنه كان يأتي كلَّ عام في الموسم -أي الحج- على حمار له, فيقول: أيها الناس، إني لا أعاب ولا أحَابُ، ولا مَرَدَّ لما أقول، إنَّا قد حرمنا المحرَّم، وأخَّرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرَّمنا صفر وأخَّرنا المحرَّم، فهو قوله: (ليواطئوا عدة ما حرم الله)، قال: يعني الأربعة (فيحلوا ما حرم الله)، لتأخير هذا الشهر الحرام.
ذكر الطبري أنه كان يقوم قائمهم في الموسم فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت العام المحرَّم، فيحرمونه ذلك العام. ثم يقول في العام المقبل فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت صفر، فيحرمونه ذلك العام. وكان يقال لهما “الصفران”.

أضف تعليق