القَسَامة || القانون الذي سَنَّه أبو طالب.

لو قُتل شخص واتُهم شخص آخر بقتله لكن بلا شهود ولا بيّنة تثبت أنه القاتل، في تلك الحال تقام القسامة، وهو قانون سنّه أبو طالب في الجاهلية، فما القسامة ومن أبو طالب وكيف سنّ هذا القانون؟

في القَسامة يُقسم المُتهم أيمانًا مغلظة أنه لم يَـقْـتُـل، ويقسم معه أولياؤه وهم جماعة من خمسين رجلًا، وإن رفضوا القسم يدفعون الدية، والحلف يكون صَبرًا لتخويف الحالف من عقاب الله -سبحانه- فلا يتجرأ يكذب، ويمين الصبر: أن يؤتى بالرجل عند الكعبة، ويؤمر بالحلف.

وقانون القسامة معترف به في الشريعة الإسلامية، وكان أبو طالب هو الذي سنّه في الجاهلية ثم اعتمُد في الإسلام. وكانت أول قسامة في الجاهلية في بني هاشم، ثم في الإسلام حَدثت قصة عبد الله بن سهل في خَيبر، وقد اتهموا اليهود أنهم قتلوه، فاحتكموا إلى النبي ﷺ وأخبروه الخبر وبيّنوا أنهم لن يقبلوا حلف اليهود، فدفع النبي ﷺ إلى أهل عبد الله بن سهل الدية. 




أبو طالب اسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَي بن كلاب، وهو عم النبي ﷺ، وسيّد من سادات بني هاشم من قريش، وله مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة، يحتكم إليه الناس ويقدّمونه، ولمكانته العظيمة خاف كفّار قريش أن يُسلم؛ لأنه لو أسلم اتبعه الناس، كان أبو طالب فقيرًا كثير الولد ومع ذلك فهو كريم جواد محبوب سهل هيّن ليّن، وقد كفل ابن أخيه محمد ﷺ بعد وفاة جده وكان عمره ثمان سنين، رعاه فأحسن رعايته وأخذه معه في رحلة الصيف إلى الشام وعمره اثنا عشر سنة، وحين بُعث بالإسلام دافع عنه بكل قوة وسيطرة رغم كفره، حتى كانت قريش تساومه أن يُسلم إليهم النبي ﷺ فأبى.


قصة القَسامة في الجاهلية:

روى عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- حكاية هذه القسامة، ومفادها أن رجلًا من بني هاشم واسمه عمرو بن علقمة استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى وهو خِداش العامري، يسافر معه كي يرعى له إبله، فسافر معه، وحين استقروا ربط عمرو إبل خداش، ثم مرّ رجل من بني هاشم معه إبل فقال لعمرو: انقطع الحبل الذي أربط به الكيس على البعير! فأعطني عقال -أي حبل- أربط به الكيس كي لا تنفر الإبل، ففك عمرو عقال من عقال إبل خداش وأعطاه الهاشمي، ثم جاء صاحب الإبل وقال لعمرو: لماذا هذا البعير هو الوحيد ليس له عقال؟ قال عمرو: أصله بلا عقال! قال خداش: فأين عقاله؟ فضربه بعصا مات منها. 

شعر عمرو بقرب موته، وعند ذلك مرّ به رجل من أهل اليمن، فسأله عمرو إن كان سيحج هذا العام؟ قال: لست أدري، قال: هل تبلغ عني رسالة لأني سأموت، قال اليماني: ما هي؟ قال له: إذا شهدت الموسم -الحج- فناد: يا آل قريش، فإن أجابوك فسل عن بني هاشم، فإن أجابوك فسل عن أبي طالب، فأخبره أن خداش العامري القرشي قتلني بسبب عقال الإبل، ومات عمرو، ثم رجع خداش وسأل عنه أبو طالب فأخبره أنه قد مرض وأحسن رعايته ثم مات فدفنه، شكر له ذلك أبو طالب.

أتى موسم الحج، وحجّ اليماني وفعل ما أمره به عمرو، غضب أبو طالب وذهب لخداش، وخيّره بين ثلاث:

١- أن يدفع دية عمرو وهي مئة من الإبل.

٢- يحلف ويحلف معه خمسون رجلًا من قومه أنه لم يقتله

٣- القصاص فيُـقتل.

ذهب خداش إلى قومه، فوافقوا أن يحلفوا، عندما شاع الخبر خشي الناس من عذاب الله إن حلف الرجال على الكذب، فكانت امرأة من بني هاشم تزوجت من بني عامر وولدت طفلًا، فجاءت به إلى أبي طالب وطلبت منه أن يتنازل رجل عن الحلف مقابل طفلها، فوافق أبو طالب، ثم جاء رجل من بني عامر ودفع بعيرين دية لعمرو، وقال لأبي طالب: يحلف خمسون رجل مقابل مائة من الإبل، أي لكل رجل بعيران، فأقبل هذين البعيرين مني لأني أخاف الحلف. فقبل أبو طالب، وبقي ثمانية وأربعون رجلًا فتعلقوا بأستار الكعبة وحلفوا أن خداشًا لم يقتل عمرًا، فأنزل الله تعالى عليهم عقابه فماتوا كلهم.  

حديث القسامة:

روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:

« إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم؛ كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى، فانطلق معه في إبله، فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جُوالِقه، فقال: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي؛ لا تنفر الإبل، فأعطاه عقالا فشد به عروة جُـوالِـقه، فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرًا واحدًا، فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال: ليس له عقال، قال: فأين عقاله؟ قال: فحذفه بعصا كان فيها أجله، فمر به رجل من أهل اليمن، فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته، قال: هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم، قال: فكتب: إذا أنت شهدت الموسم فناد: يا آل قريش، فإذا أجابوك فناد: يا آل بني هاشم، فإن أجابوك، فسل عن أبي طالب فأخبره: أن فلانا قتلني في عقال، ومات المستأجر، فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنت القيام عليه، فوليت دفنه، قال: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينا، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم، فقال: يا آل قريش، قالوا: هذه قريش، قال: يا آل بني هاشم، قالوا: هذه بنو هاشم، قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب، قال: أمرني فلان أن أبلغك رسالة: أن فلانا قتله في عقال. فأتاه أبو طالب فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مئة من الإبل؛ فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به، فأتى قومه فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين، ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان، ففعل، فأتاه رجل منهم فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مئة من الإبل، يصيب كل رجل بعيران، هذان بعيران، فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان، فقبلهما، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده، ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عينٌ تطرف»


التعليقات

أضف تعليق