
سلوانُ جازعٍ
قصة قصيرة .
أيها السادة الكرام ومن لم يكرم نفسه، أقول لكم من حجرتي هذه لا بل من جحري، إني انطويت على نفسي في حجرتي هذه كحلزون في قوقعته، أنا في قوقعتي والناس يصرخون علي أن انهض، يظنون أن صوتهم لا يُسمع، وما علموا أنه يقرقع في القوقعة كقرقعة الحديد ببعضه، ومنهم من ينغزني ومنهم من يركل ومنهم من يضرب كيفما شاء، وأنا لا زلت أتقرقع في قوعتي من ضجيجهم، والكلام يقرع ويصدع على قلبي قبل أذني.
مثقل أنا بنفسي أتنفس من سمِّ الخياط، وإن أنا خرجت فإني أحترق منهم، نعم، إني متشائم وخوّاف وفي الحروب نعامة، أرى أموري وأفعالي دائمًا كسهم في كبد القوس، كبرت القرارات أم صغرت كلها مصيرية، يجب أن ينفذ السهم في هدفه، وإلا نالني سهم العدو، نعم قد نالني وأقعدني.
أنا على خشية وقلق وكدر كأني أمشي على الصراط، أقلِّب طرفي حول دفاتري الملأى برسائل لن تصل، أنا ضعيف ومنكمش لو هبت الريح طيرتني، لست فارسًا ولا مقدامًا كي أقلّب طرفي حول رحلي وفرسي، كنت قد فرَّغت كل ما أوتيت من أمل وحياة في حب تلك الفتاة اسمها أأأأأ لا اسم لها، سميتها نُعْم، لأنها نعيم حياتي وربيعها، يزعمون أن قلب الرجل يتسع لأكثر من واحدة، لكن قلبي والله لم يتسع إلا بها، أنا مثقل بقلبي المهموم كصخرة تدحرجت من سيل فسدَّت منبع عين كان يُشرب منها ويستقى.
كنت أنا من أنا بينهم، كنت الفارس الثَّقِف، والمقدام المُقدَّم، والسيد المُسيّد، لكني أمامها ضعفت وهويت، كانت نظرة منها تُشعل حماسة لا تُشعلها الصفراء، كُنت أتقوَّى بها، بل كانت بضعفها تقويني، كانت تسد خللًا لا أراه، وتسقيني من فيها سقية تبرد حرَّ كبدي من الكد والقتال، فأقوم كأن لم أتعب بالأمس، ولَّت وَوَلَّ قلبي بها، ولا زلت أكتب لها رسائل لن تصل، ولا زلت أبذل جهدي ودمَّ قلبي في ذلك، في هذه الحجرة القاتمة وفي أضيق الضيق، يتسع قلبي عند ذكراها ويزهر، وبت أقلب طرفي في قلبي، وأرى العالم ليس كما هو أبدًا، تضيقني الحياة وتوسعني الذكرى، تقاسمنا الأفراح فعَظُمت والأحزان فذلَّت، كنت قد أعطيتها فلذة من كبدي – حقًّا لا كناية- فأعطتني هي الحياة، حين التقينا فجأة في مدخل الطوارئ بين زحام المرضى، فرأيتها مُتعبة ذابلة، كشجرة الليمون أزهرت ثم انقطع ثمرها جراء دودة أكلت منها، ما كُنت أعلم أن تلك الذابلة هي التي أحيتني، كنت أراها كشجرة قوي جذعها، ثابتة جذورها، ريحها طيب، لكن أغصانها ذبلت، حين التقت عيناي بها ما استطعت أن أفارق عينيها، تلك العينان الناعستان، أحسست بحرارة الدموع التي تلمع بها، ما ينبغي لتلك العينان أن يمسسهما ضر، ما كُنت أعلم أن تلك العينان فعلت بي ما لم تفعله فيَّ الأيام، ما كنت أظن أني ميّت إلا حين أحيتني من كآبة الحياة، نعم، قد كنت ميتًا ليس في وجهي دمٌ، ولا في محياي طلاقة، يقولون ستنسى وتسليك الحياة، كيف ذلك وقد كانت حياتي وسلواني ؟



اترك رداً على أساسيات تأثير السرد: كوّن مَلكَة سردية. – لَــملـمَات إلغاء الرد