وَقْع كلمة.

كانوا يقولون عنه أن لكلماته وقعٌ كوقع المطر على الأرض القاحلة، لم يكن ذا مال ولا شيء، قاعدًا في حافة الرصيف يبتسم, يُصبّح يوزع النكت ينشر البهجة، كل من يمر عليه إن كان عابسًا ابتسم، وإن كان حزينًا تبسّم، وإن كان مثقلًا تخفف، وإن كان مهمومًا ضحك، كانوا يرون أنه مسكين ضعيف، لكنهم حين مات ضَعفوا  !

….

لو كنت نبتة فهل لجذورك قوة ؟ هل ستكون زرعة لا يؤبه لها أم ستكون شجرة ظليلة أم ليس لك حظ إلا أن تكون عُودًا يحتطب؟ وإن كنت كذلك فلا تيأس ربما يأرج الخشب.

 أم إنك تلك النبتة التي تظهر من بين الاسفلت راغمة على أنف من قال بصلاح التربة وحُسن السماد؟

أكثر ما يشدني في الطبيعة: منظر نبتة بين جبال صخرية كجبال الحجاز. فأنا أعيش في بيتٍ تحفه الجبال، ولجبلنا المجاور شجيرات نمت من بين الصخور، يابسة لو مسها أحد لانقطعت، لكن لبُعدها لم يمسها أحد، أراها دائمًا كشخص وحيد رقيق منعزل يخشى الناس من أذيتهم، وأغلب الظن أن ما أذاه كلمة رُميت في وجهه لم يُلق لها بالٌ فصارت وبال!

ما تلك الكلمة التي أجبرته على الانعزال ؟ يا لضعف ابن آدم تحييه الكلمة وتميته، وترفعه درجات وتهويه دركات ! الكلمات: ثقيلة موجعة أو خفيفة حادة أو ماء عذب أو ورد، لا كتلة لها فتُلمس وتحس إذ فلا فيزياء فيها، تهوي تتشكل ترغب كما تلقى على سامعها وكما يقتضيه مُقتضى الحال، علم الكلمات هذا هو الأصعب من بين العلوم، لم يحدد علم اللغة وزن الكلمة على المقولة له أو السامع، حسبه أن يزن الميزان الصرفي والصوتي أمَّا النفسي هذا فتُرك للناس. 

كنت دائمًا أرى أن الإنسان المِعطاء كالغيث، يُبهج ويسعد وينبت الأرض، لكن إن كان في مجرى الوادي أغرق من فيه، وهو كذلك إن كان يعطي من لا يستحق العطاء، لكنه الغيث لا يعرف الناس وهم يعرفونه، يهطل منتشرًا لا يُحدد بيتًا دون آخر، ولا إنسان دون آخر، ولا يفرق بين اليتيم من بين الصبيان، ولا الغني من بين الخلان !


التعليقات

أضف تعليق