استكشاف آفاق الدراسة الأكاديمية والذاتية.

نسمع دائمًا عبارات رنانة عن تمجيد البحث الذاتي وذم البحث الأكاديمي خصوصًا في العلوم النظرية أو الإنسانية، كالآداب واللغات والفلسفة، بزعمهم أن الدراسة الأكاديمية صارمة جامدة، وأن العلوم الإنسانية كالآداب واللغات يُفضل أن تتعلم ذاتيًا، وإن كان في الكلام تفصيل ونسبة من الصحة لكلا الفريقين، لكني بعد النظر في تلك الآراء، انتهيت إلى أن البحث الأكاديمي هو ذاته التعلم الذاتي لكن بطريق معبّد، ولوحات طرق، فسيُشار إلى المكان وستكمل المسير بنفسك – أي ذاتيًا-، ولن تغنيك الإشارة، ومن هنا نجد ارتباطًا وثيقًا بين التعلم الذاتي والأكاديمي.
أما بالنسبة للتعلم الذاتي فإنك ستبحر في العلم وقد تغرق، وقد تكثر عليك المسائل فما تدري أيها تصيد، وهذا لا ينفي قيمته العظيمة لمن هو صارم وحازم مع نفسه، ومما يشاع عن الدراسة الأكاديمية أن الاستمرار للدراسات العليا لابد أن ينتهي بك المطاف معلمًا أو أستاذًا أكاديميًا، وهذا ليس على كل حال، فإن كانت لك رغبة في الدراسة الأكاديمية ولا ترغب في التدريس فالأمر واسع.
وقد كتبت المقال لنقل تجربتي في دراسة الماجستير بتخصص “البلاغة والنقد”، وتصحيح بعض المفاهيم حول دراسة اللغة، وأذكر بعض الآليات التي ساعدتني للحصول على درجة ممتاز -بعد توفيق الله تعالى-، وسيأتي ذكر بعض المصادر التي يُستفاد منها في حقل اللغة والآداب.
اعلم أن حصولك على درجة الماجستير في العلوم النظرية تمكنك من المشاركة البحثية في المؤتمرات، ثم إن الكثير من المؤسسات البحثية كمراكز الأبحاث، والمؤسسات الثقافية، والمجلات العلمية التي تُعنى بالبحث الأكاديمي تستقطب الباحثين المُجدين في طلب العلم، وأيضًا يمكنك دعم أفكارك والمعلومات التي تعلمتها عن طريق إثراء المحتوى في منصات التواصل الاجتماعي، فالمحتوى الهادف والثقافي يهتم به كثير من الناس، وإن بدا أن الفارغين هم من لهم الصدارة في تلك المواقع، فلا زالت للمعلومات الرصينة قيمتها.
إن دراسة الآداب واللغات وحتى البلاغة لا تُحصر على كتب القدماء وأرفف المكتبات، بل المسألة هي أن ينظر إلى تلك العلوم بوصفها مشتركة بين اللغات، تمامًا كما يُشترك القانون بين أنظمة الدول، فعلم اللغة ينظر إلى اللغة بذاتها أي إلى تركيب الأصوات، واللهجات، وترتيب الجمل وغير ذلك، وأيضًا فالبلاغة والنقد ينظر إليهما بشكل عام لا يختصان بلغة دون أخرى، وإن كانت العربية تفوق اللغات بلاغة وبيانًا وفصاحة، وفي دراسة الأدب ستتطرق إلى مُختلف الآداب بدءًا من أرسطو وحتى عصرنا الحالي، نبدأ بالخطابة والشعر والنثر بأنواعه من قصص وروايات وحتى إعلانات الأعمال السينمائية، إن تمكنت من إتقان لغة أخرى فسيتسع لك المجال، خصوصًا لو أردت مجال الدراسات المقارنة كأن تقارن بين لغتين في النقد الأدبي وغيره، وأكثر ما التمسته بعد التوسع: “القراءة من منظور أعلى”، أن تصفى عدسة القراءة، أن تقرأ بشكل مُختلف لا يعني ذلك التعسف والدقة؛ بل يعني التذوق وإدراك اللطائف، ومعرفة السر الذي صار الكلام به فصيحًا، وحملك على العمل به.
على مقاعد الدراسة:
بادئ ذي بدء اعلم أن دراسة الماجستير مختلفة كليًا عن البكالوريس، والفصل الأول هو الأشق، لصعوبة التعامل مع المناهج، وأسس الكتابة العلمية وغير ذلك، وقد تجد انسحابًا لعدد من الطلاب، فتراودك نفسك، لكن اصبر فالفصول القادمة ستكون أسهل؛ لاعتيادك على طريقة الدراسة، تذكر أنك تُساهم في صناعة المنهج، وبالتالي ستبحث عن الأسئلة، لذا فغالبًا لن تُعطى منهجًا ثابتًا تستذكر منه، والمحاضرات غالبًا تكون عبارة عن قراءة للأبحاث، وانتقال من كتاب لآخر، ومن ورقة لأخرى، وقد تكون على شكل مواضيع تُقسم بين الطلاب، أو ربما تكون سؤالًا يطرح ويُستمع للإجابة من خلال أوراق علمية، ومن الجيد أن يكون معك جهاز لوحي لسرعة الكتابة وتحديد المقروء.
على الصعيد الشخصي:
جهّز نفسك، اعتبر الدراسة أرض خصبة لنماء مهاراتك، نظّم وقتك استعن بالجداول الأسبوعية والقوائم اليومية والتنبيهات بالطريقة التي تناسبك، ابتعد عن المشتات وذكّر نفسك لن يفوتك شيء، ولا تهمل صحتك، احرص على الحركة فرّغ طاقتك وجدد نشاطك، ولا تستهين بالغذاء الجيد ولا تجعل جسمك يعتمد على الكافيين، كل هذا وقود لطاقتك وسبب لصفاء ذهنك للعمل.
مع البحث:
حين تبدأ البحث لا تنتظر النهاية فيثقل عليك الوقت، قد تنتهي فجأة إن وجدت الإجابة، لذا فقبل الشروع بأي بحث اطرح بعض الأسئلة ورتب الأفكار وحاول الإجابة عنها، وتذكر دائمًا أن السؤال هو مفتاح العمل، إذا انتهيت من الكتابة أو قررت التوقف فاحفظ ما كتبته على drive أو icloud، واحرص أن يكون للبرنامج نسخة احتياطية، وإن لم يكن لديك فارسل ما كتبته عبر رسالة بريد الكتروني، فهذه الأخيرة هي الأسهل لحفظ المعلومة واسترجاعها في أي وقت، ولا تعتمد على مكان واحد لحفظ ملفاتك، واحرص على الاحتفاظ بكل أوراقك لا تستهين بأي مسودة، واكتب المصدر لكل فقرة نقلتها، لا تُحبط إن لم تجد إجابة شافية، فربما تتولد لك الأسئلة، والسؤال قد يفتح لك موضوع آخر ويكون بذلك أثرى من الإجابة.
الكتابة العلمية:
هناك عدة مناهج للكتابة العلمية، والاختلافات طفيفة بينها، فمثلًا من يبدأ بكتابة اسم المؤلف قبل اسم الكتاب، والعكس، لكن لابد من التزام منهجية واحدة في البحث، وإذا أردت نقل فكرة من مصدر فحاول قراءتها مرات عدة، ثم اكتب بأسلوبك، واحرص على الأمانة العلمية بذكر المصدر، أما في ذكر التعريفات أو الدليل فلابد أن يكون منصوصًا عليه، والكتب في هذا المجال كثيرة، منها كتاب للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان “كتابة البحث العلمي- صياغة جديدة-، وبشكل عام لا تحصر نفسك في العمل وفق الضوابط فتبدأ متسلسلًا في الفصول، قد تجد نفسك قد كتبت في فقرة قبل سابقتها، لأن المهم هو ضبط المُخرج النهائي.
البحث أو الرسالة العلمية:
أغلب الجامعات يكون المقرر فيها للحصول على الدرجة هو الرسالة العلمية أو المشروع البحثي، والفرق بينهما أن الرسالة أطول وتحتاج لتفرغ تام، أما المشروع البحثي فيمكن البدء به أثناء الدراسة، وغالبًا لا تتجاوز صفحاته مئة صفحة.
كيف أجد فكرة بحثية:
في بداية الدراسة لا تحصر فكرتك البحثية بمجال معين، فالمجال واسع، وكلما درست وقرأت ستجد أفكارًا ومواضيعَ لم تعرفها من قبل، وإذا تطرقت فكرة فلا تهملها أكمل فلعلها هي المختارة، ومن الطرق المساعدة أن تبحث في الدراسات السابقة في نفس المجال الذي ترغب في البحث عنه، فكثيرًا ما يُشار إلى فكرة بحثية بين السطور.
الامتحانات:
أغلب المواد الدراسية تتطلب يومًا لتنظيم وجمع المقرر ويومًا آخر للدراسة، حين تكون مشتتًّا أو متعبًا فابدأ بالأيسر ولا تسوف، جرّب طرقًا للمذاكرة واختر الأنسب، ومن الطرق أن تغلق هاتفك وتجعل المؤقت يعمل من ٥٠ د إلى ساعة وترتاح بعدها لعشر دقائق، ثم تكمل، جرّب أن تجعل لك خلفية بأصوات مهدئة كحفيف الشجر أو عجيج النهر وغيرها من أصوات الطبيعة.
بالنسبة للامتحان فهو غالبًا ما يكون على ثلاثة أو أربعة أسئلة وأحيانًا سبعة أسئلة تختار ثلاثة منها أو حسب ما يُطلب منك، وتُعطى دفترًا فارغًا من عشرين ورقة للإجابة، ينبغي أن تكون الإجابة عن السؤال مُلمة شاملة، ولو كان الجواب الفعلي لا يتجاوز السطر، فالمطلوب منك أن تكتب ورقة علمية عن هذا السؤال، فتبدأ بمقدمة عن الموضوع وتناقش الفكرة وتخلص إلى النتائج.
مصادر مساعدة:
١- دار المنظومة، ويكون الدخول عليها من خلال موقع الجامعة:
٢- منصة المجلات الجزائرية: https://www.asjp.cerist.dz/en
٣- أرشيف الشارخ يحوي أرشيف للمجلات الأدبية والثقافية:
٤- مؤسسة هنداوي تنشر كتب مبدفة مصرح بها:
https://www.hindawi.org/books/categories/literature/
٤- موسوعة الشعر العربي التابعة لجامعة أم القرى، تكتب البيت الشعري ويظهر لك تفاصيل المصدر:
أو https://dsr.uqu.edu.sa/poetry/index.php
٥- كتاب البحث العلمي، صياغة جديدة للدكتور عبد الوهاب أبو سليمان:
https://archive.org/details/mobarakibi_books_201605/page/n3/mode/2up

أضف تعليق